إعلان

فقد بصره لأجل وطنه ،فكافأه بالنسيان يالله

فقد بصره لأجل وطنه ،فكافأه بالنسيان يالله

كان أول لقاء جمع بيننا في بيت من بيوت الله بالحي الإداري ب”توجنين” حين ارتفع صوت ندي بلكنة أعجمية عبر المئذنة يدعو المؤمنين إلى الفلاح .
دلفت داخل المسجد لم يكن به سوى ذلك الشاب (الأربعيني) تضيئ دراعتة البيضاء بشرته السمراء أمامك للوهلة الأولى.
وهو غارق في مناجاة ربّه بأذكار مسائية.
حييت المسجد، ومددت يدي لمصافحته وبالكاد اهتدى إلى أطراف أصابعها ورد التحية بالمثل.
كان متلهفا لسرد قصته المؤثرة قبل التعارف وبدون مقدمات.
” حكى ذلك الشاب فيما حكى قال: كنت في مثل هذا الوقت من السنة المنصرمة شابا قوي البنية، مفتول العضلات، مقبلا على الحياة، أمارس الرياضة بشكل منتظم.
أعمل ضمن تشكلة من “الهندسة العسكرية” مكلفة بنزع الألغام بالشمال الموريتاني حيث كانت درجات الحرارة وقتها تقارب الخمسين في سهوب تيرس.
كنا نخرج إلى “حقول الألغام” والشمس تتثاءب في خدرها، ولانعود إلا إذا اشتدت وطأة الحر.
مرت الأيام.. وذات يوم قائظ ككل الأيام في هذه البيداء الموحشة، داهمني صداع مبرح كان جرس إنذار لحالة الصحية وكنت أعتقد أن قرصا مدورا من (البراسيتامول) وكأسا معتقا من “أزواد الحمرة” كفيل بانضمامي في المساء لزملائي. ولكن هيهات..هيهات.
مع حلول الليل شعرت برغبة في التقيؤ ودوار شديد، وضبابية في الرؤية.
ولأن أقرب نقطة صحية منا في “عين بنتيلي” (285) كلم وطرقها غير ممهدة..فضلت العلاج التقليدي وإليكم بعض الوصفات التي استعملتها: بول الإبل، وضع القدمين في منقوع الحناء؛ دقيق الشعير الممزوج بالماء البارد، استنشاق مسحوق بعر الإبل.
لقد شخص المعالج حالتي بأنها (الحرارة ➕ تيمشي)
ومع الوقت وجدت بعض الراحة (النفسية) لتلك العلاجات.
وإن كنت لم أتماثل للشفاء
كان لا بد من الذهاب إلى نواكشوط وإن قل الزاد لإجراء فحوص تكشف حقيقة المرض.
بعد مارتون صعب من التنقل في سيارات الأجرة والزحام في طوابير المرضى، ومطاردة الأطباء. خرجت النتيجة وكان الخبر صادما،فقد أخبرني الطبيب بأني مصاب ب”ضغط العين” وأنه لم يعد محل تدارك..
وأن علي الرِّضَا بالقدر والعيش ضمن ظلمات العمى وتخيل الواقع بدل الإحساس بالرؤية..
كانت قصة مؤثرة وقد أحسست بألم يعتصر سويداء القلب وأنا أرهف السمع لـ”لشيخ ولد صمب” وهو يسردها بتفاصيلها الحزينة .
بعد أن كان شابا طموحا يزرع الحياة ويفدي لأبرياء بنفسه في صحراء قاحلة إلا من ألغام مخلفات حروب مدمرة سابقة أصبح رهين المحبسين “العمى والفقر”.
رافقته لمنزله قرب مدرسة (النائب) وقد كان دليلنا في رحلة العودة طفله الصغير عمر (10) سنوات
.. بدا منزلا متواضعا يقع وسط أحزمة من الأعرشة وأشباه البيوت تفصح عن فقر ومآس شديدة.
في طريقنا إلى المنزل كنا نصعد التِّلاَلَ وننزل بين الحفر ونتلمس طريقنا بين ركام المنازل الذي خلفته الجرافات أثناء تخطيط الحَيَ وتأهيله.
وهو لعمري طريق يصعب على من أوتي حدة البصر والبصيرة أن ينجو من عثراته فكيف بمن أسلم سواد عيونه للبياض؟!
بعد وصولنا للمنزل كنا موضع ترحاب من زوجته “عائشة” التي طفقت تحدثنا عن المعاناة التي سببها فقد الزوج لبصره وعمله، وقالت: لقد فرض عليَّ ذلك مضاعفة الجهد لأتمكن من سَدِّ الحاجيات التي تتطلبها الحياة اليومية في مدينة لا ترحم”.
وأضافت بمرارة تخنقها العبرات:”منذ أن أصبح زوجي أسير ظلمة العمى لم تُقدِّمْ لنا المؤسسة العسكرية التي كان يعمل بها أي عون.وبقينا عالة على المحسنين الطيبين مع قلتهم .
بسبب العمى يقضي “ولد صمبه” أغلب وقته في الاستماع للأشرطة الدينية والمحاضرات عبر أثير “إذاعة القرآن الكريم” وتمنى أن يصل صدى معاناته إلى أصحاب القلوب الرحيمة ليعينوه على دهر “قلب له ظهر المجن”.”
ودَّعْتُهُ وفي العين عبرة، وفي القلب حسرة..
كنت مهموما لحاله..بذلت جهودا لظهوره في برامج تلفزيونية تعنى بمثل هذه الحالات الإنسانية.
في انتظار فرصة قادمة يبقى مصدر رزقه ما يجود به المحسنون..
ما أقسى الشعور بالموت بعد الحياة.. وأقسى الإحساس بظلمة العمى بعد الإبصار..
وَالْأمَرُّ من ذلك كله الإحساس بالضياع في وطن كنت تفديه بنفسك وبصرك ..

مقالات ذات صله