إعلان

ماأحوجنا إلى عدالة إجتماعيه ..

ماأحوجنا إلى عدالة إجتماعيه ..

من موقِف سيَّارات الأجرة عند مُلتقى طُرق “مدريد” في الطَّريق إلى “لكصر”..ركب معنا شاب يَقصد مستشفى الأمومة والطُّفولة, كان متواضع المظهر, عَفويَّ المخبَر, مَعجونا من طينة أغلب أهلِ هذا المجتمع الَّذين تَصلح لهم تلك السيارة البائسة كما يَصلُح للعريان كلُّ قميص, ويفرَحون بركوبها كما يفرح الحافي بالحِذاء الرَّخيص.
كنتُ قد لقيتُ ذلك الشَّابَّ في محلِّ عمله قبل ذلك بعام..كانت لياليَ سَهر وتمريض وعِيادة, وكان هو طبيبا في قسم الحالات المستعجلة, يستقبل المرضى وينظر حالاتِهم ويَصف الأدوية ويُباشر المعالجةَ في تعاطف بارز وسَهَر متواصل ونَشاط مُرهِق..وكان جادًّا في لَطافة لم يَكن بها من أهل أكباد الإبل.
تذكَّرت ذلك لما اقترب من وِجهته, ولمَّا نزل عند المستشفى خلَّف في ذِهني ذكرياتٍ انحَلَّت خُيوطها عن ذِكريات أخرى تُندي جفاف الأيَّام, وتلامس جواذبَ الحقيقة.
تذكَّرتُ مُعلّما وَقورا , أعرف جِدَّه في التّدريس وانتظامَه في الحُضور وتَميُّزَه في الأسلوب وعطاءَه في القِسم, درَّس أجيالا كثيرة, وبَذَل في التَّعليم زهرةَ شبابه حتَّى تقاعد..لم يكن راتبُ التَّقاعد ممّا يتلمَّظ به شِدق أو تَنال به العصا سَيرا, ففتح دُكَّانا صغيرا في عاصمة الوطن, ثمَّ تركه وصار –وقد وَهَن العظمُ منه- مُنظِّما وجامعا لركَّاب رِحلات السَّفر في محطات النقل… صابرا على ضَجيجها وزِحامها صبرا أشدَّ من صبره على تهذيب طِباع الطُّفولة الطَّائشة.
بعدَ أعوام لقيت ذا صلة بذلك المعلِّم وسألتُه عن أخباره..فذكر لي أنّه أقعده المرض, وأنّه بعد طول خِدمة وصدق عَطاء لم يجد لفتةً من الدولة التي درَّس كثيرا مِن كبار مسئوليها.. ثمّ فتح لي عن صفحات من سِجلِّ معركة الحياة حين تَفرض نفسَها على مَن لا يعرف النِّفاق ولم يطرق أبوابَ الوساطة ولم يتسلَّق جُدرانَ النَّهب والفساد.
مِن العجيب أن يَمضيَ الإنسان زَهرة عُمره في الخِدمة والعَمل النَّافع فلا يُعطى سكنا يَحويه ولا مالا يكفيه, ثم لا يُمكَن من مآل مناسب..وحين يتقاعد يَفقد مع ذلك جُلَّ راتبِه في وقت الحاجة الشَّديدة إليه.
إنَّه حال مُوجِع ومآل مُخيف يُخشى منه على كثير من الموظَّفين ذوي النَّزاهة..ومنهم ذلك الشَّاب الطَّبيب الَّذي لم تُوفَّر لنقله سيارة يَطوي بها بُعدَ الطَّريق وتُخفِّف عنه وَعثاءَ التَّنقُّل..ناهيكم عن راتب يكفيه أوسَكن يأوي إليه.
هذا أمر واقعي, وتلك حقيقة لا تغيب عن أحد, تؤكد الحاجة إلى العدالة الاجتماعية في الإسلام وإلى مدنية الشريعة السَّمحة..حيث يواجه ذلك الأمر المُحزنُ اليومَ بالنَّظريات والتَّلفيق لا بالعمل والتَّطبيق, فهو يحتاج إلى تنفيذ لا إلى تنظير, بل إنَّ تجاوزَ التَّنفيذ فيه إلى غيره تركٌ عن قُرب وطلبٌ عن بُعد يُنشِد المتضرِّر منه قولَ الشَّاعر:
أتترُكُني ودارُك عند دارِي..وتطلُبني بمصرَ على حمارِ !؟

مقالات ذات صله